ابن أبي مخرمة
370
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وروى عنه يحيى بن معين ، وعلي بن المديني وغيرهما من الحفاظ . وكان رأسا في الحديث ، واللغة ، والفقه ، والغريب ، والشعر ، وأيام العرب ، صاحب سنة . قال أبو عبيدة : ضاقت المعيشة على النضر بن شميل بالبصرة ، فخرج يريد خراسان ، فشيعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف ، ما فيهم إلا محدث ، أو نحوي ، أو لغوي ، أو عروضي ، أو أخباري ، فلما صار بالمربد . . جلس وقال : يا أهل البصرة ؛ يعز علي فراقكم ، واللّه لو وجدت كل يوم كيلة باقلاء . . ما فارقتكم ، قال : فلم يكن أحد فيهم يتكلف ذلك له ، وسار حتى وصل خراسان ، وجمع بها مالا ، ودخل نيسابور ، فسمع عليه أهلها ، وكانت إقامته بمرو . ونظير ضيق معيشته عليه ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في ترجمة القاضي عبد الوهاب المالكي من ضيق معيشته ببغداد ، وانتقاله إلى مصر . روى المأمون عن هشيم بسنده المتصل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها . . كان فيه سداد من عوز » ورواه بفتح السين ، وكان النضر بن شميل حاضرا ، فروى الحديث من طريق آخر عن عوف بن أبي جميلة بسنده المتصل ، ورواه ( سداد ) بكسر السين ، فقال له المأمون : تلحنني ؟ قال : لا ، إنما لحن هشيم ، وكان لحانة ، فتبعه أمير المؤمنين في لفظه ، قال : فما الفرق بينهما ؟ قال : السّداد بالفتح : القصد في الدين والسبيل ، وبالكسر : البلغة ، وكل ما سددت به شيئا . . فهو سداد ، قال : أو تعرف ذلك العرب ؟ قال : نعم ، هذا العرجي يقول : [ من الوافر ] أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر ثم قال المأمون : قبح اللّه من لا أدب له ، ثم أخذ المأمون القرطاس وكتب ولا يدري النضر ما ذا يكتب ، ثم قال : إذا أردت أن تترب - يعني الكتاب - كيف تقول ؟ قال : أترب ، قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مترب ، قال : فمن الطين ، قلت : طنّ ، قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مطين ، فقال المأمون : هذه أحسن من الأولى ! ثم قال : يا غلام ؛ أتربه ، وطنه ، ثم أرسل بالكتاب إلى وزيره الفضل بن سهل مع غلامه ، وبعث معه النضر بن شميل ، فلما قرأ الفضل الكتاب . . قال : يا نضر ؛ أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم ، فما كان السبب فيه ؟ فأخبرته ، فقال : لحّنت أمير المؤمنين ، قلت : كلا ، إنما لحن هشيم ، وكان